روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
130
عرائس البيان في حقائق القرآن
كان في جهنم فإن جهنم له مأوى قهره ، وقهره مأوى لطفه ، ولطفه مأوى أنوار جوده وجوده ، مأوى أنوار وجوده فيرى مقصوده في العذاب كما كان أيوب عليه السّلام يرى رؤية المبلي في بلائه . سئل الشبلي عن هذه الآية ، فقال : يا رب أملأها من الشبلي ، واعف عن عبيدك ليتروح الشبلي بتعذيبك كما يتروح جميع العباد بالعوافي . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 15 ] إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 ) قوله تعالى : إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً : وصف اللّه سبحانه أهل معرفته الذين إذا سمعوا خطابه سقطوا على وجوههم في جناب كبريائه وعظمته حبّا له وشوقا إليه ، ولا يكون هذا إلا وصف الوالهين من عشقه ، الصادقين في توحيده ومعرفته . قال القاسم : إذا وعظوا بها خرّوا سجّدا عند أوقاته ، وذلك صفة المؤمنين ، ومن أبى ذلك في أوقاته لا يلحقه اسم الإيمان ولا وسمه . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 16 إلى 17 ] تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 ) قوله تعالى : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ : وصف سبحانه أهل ودّه ومحبته وعشقه وشوقه الذين إذا ناموا ناموا بالحق من كمال سكرهم ، وإذا انتبهوا من ركضة آلام حزن فوت وصاله ولذيذ مناجاته ، فانصرفت جنوبهم عن مضاجعهم بغير اختيارهم كأن الأرض ألقتهم من نفسها ، وذلك مما ينكشف لهم من أستار الملك والملكوت ، ويظهر لهم أنوار مشاهدة الحق ويفتح لهم أبواب قربه ووصاله ، ثم زاد في وصفهم بقوله : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ؛ خوفا من هجرانه وإجلالا لجلاله وطمعا في وصاله ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ : يعني يبذلون أرواحهم وأشباحهم للّه ، ثم ذكر ما يجازيهم من جمال قربه وكشف لقائه بقوله : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ : قرة أعينهم أنوار جماله وجلاله ، وذلك جزاء احتراقهم في حبه بقوله : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . قال سهل في قوله : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ : إن اللّه وهب لقوم هبة ، وهو أن أذن لهم في مناجاته ، وجعلهم من أهل وسيلته وصفوته وخيرته ، ثم مدحهم على ذلك إظهارا لكرامته بأن وفّقهم بما وفّقهم له فقال : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ . وقال ابن عطاء : جفت جنوبهم وأبت أن تسكن على بساط الغفلة ، وطلبت بساط